ابن الجوزي
122
صيد الخاطر
ومنهم من يحفظ ناموسه فيفتي بغير علم ، لئلا يقال : الشيخ لا يدري . ولقد حدثني الشيخ أبو حكيم رحمة اللّه عليه : أن الشريف الدحالتي وكان يقصد فيزار ويتبرك به حضر عنده يوما فسئل أبو حكيم : هل تحل المطلقة ثلاثا إذا ولدت ذكرا ؟ فقال : فقلت لا واللّه . فقال لي الشريف : اسكت فو اللّه لقد أفتيت الناس بأنها تحل من هاهنا إلى البصرة . وحكى لي الشيخ أبو حكيم أن جد آذاد الحداد وكان يتوسم بالعلم جاءت اليه امرأة فزوجها من رجل ولم يسأل عن انقضاء العدة ، فاعترضها الحاكم وفرّق بينها وبين الزوج ، وأنكر على المزوج ، فلقيته المرأة ، فقالت : يا سيدي أنا امرأة لا أعلم فكيف زوجتني ؟ فقال : دعي حديثهم ما أنت إلا طاهرة مطهرة . وحدثني بعض الفقهاء عن رجل من العباد أنه كان يسجد للسهو سنين ، ويقول : واللّه ما سهوت ولكن أفعله احترازا ، فقال له الفقيه : قد بطلت صلاتك كلها لأنك زدت سجودا غير مشروع . ثم من الدّخل الذي دخل في ديننا طريق المتصوفة ، فإنهم سلكوا طرقا أكثرها ينافي الشريعة . وأهل التدين منهم يقللون ويتخففون ، وهذا ليس بشرع حتى أن رجلا كان قريبا من زماني يقال له كثير دخل إلى جامع المنصور وقال : عاهدت اللّه عهدا ونقضته ، فقد ألزمت نفسي أن لا تأكل أربعين يوما ، فحدثني من رآه أنه بقي عشرة أيام ثم في العشر الرابع أشرف على الموت ، قال : فما انقضت حتى تفرغ ، فصب في حلقه ماء فسمعنا له نشيشا كنشيش المقلاة ثم مات بعد أيام . فانظروا إلى هذا المسكين وما فعله به جهله . ومنهم من فسح لنفسه في كل ما يحب من التنعم واللذات واقتنع من التصوف بالقميص والفوطة والعمامة اللطيفة ، ولم ينظر من أين يأكل ولا من أين يشرب ، وخالط الأمراء من أرباب الدنيا ولباس الحرير ، وشرّاب الخمور ، حفظا لماله وجاهه . ومنهم أقوام عملوا سننا لهم تلقوها من كلمات أكثرها لا يثبت . ومنهم من أكب على سماع الغناء ، والرقص واللعب ثم انقسموا فمنهم من